كتبت سارة يركس أن خمس سنوات مضت على إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد ما وُصف بالانقلاب على المؤسسات في يوليو 2021، لتدخل تونس مرحلة تراجع اقتصادي وسياسي ودبلوماسي عميق. وترى الكاتبة أن أبرز ما حققه سعيّد خلال هذه الفترة كان تقويض المكاسب الديمقراطية التي راكمتها البلاد طوال عقد كامل، في وقت ازدادت فيه عزلة تونس عن شركائها التقليديين.


ونشر مركز كارنيجي للسلام الدولي هذا التحليل، الذي يستعرض حصيلة خمس سنوات من حكم قيس سعيّد، ويخلص إلى أن وعود الإصلاح لم تنعكس على الواقع الاقتصادي أو السياسي، بينما تراجعت مكانة تونس على الساحة الدولية.


تراجع اقتصادي وتفكيك للمؤسسات الديمقراطية


حظي إعلان سعيّد إجراءاته الاستثنائية في الخامس والعشرين من يوليو 2021 بتأييد شعبي واسع، بعدما واجهت تونس آنذاك ثلاث أزمات متزامنة تمثلت في شلل المشهد السياسي، وتراجع الأداء الاقتصادي عقب أول مؤشرات تعافٍ منذ ثورة 2011، إضافة إلى تسجيل البلاد أحد أعلى معدلات الإصابة بجائحة كورونا مقارنة بعدد السكان في أفريقيا.


ورُوِّج لهذه الإجراءات باعتبارها خطوة مؤقتة لإنهاء هيمنة طبقة سياسية عجزت عن إدارة البلاد، إلا أن السنوات الخمس التالية، بحسب الكاتبة، أثبتت أن النتيجة الفعلية تمثلت في إنهاء مسار ديمقراطي استمر عقدًا كاملًا وإبعاد تونس عن حلفائها وشركائها.


اقتصاديًا، تؤكد الكاتبة أن حكومة سعيّد لم تحقق أي تحسن ملموس في المؤشرات الاقتصادية. فالتضخم والبطالة والعجز المالي ما زالت تدور حول مستويات عام 2021، بينما تراجع النمو الاقتصادي وارتفع الدين العام بصورة لافتة، ما يجعل الحديث عن نجاح اقتصادي أو الوفاء بالوعود التي أطلقها الرئيس قبل خمس سنوات أمرًا يصعب الدفاع عنه.


أما سياسيًا، فتبدو الصورة أكثر قتامة. فقد وصل سعيّد إلى الحكم عبر انتخابات حرة ونزيهة عام 2019، ضمن مسار ديمقراطي بدأ عقب الثورة التونسية عامي 2010 و2011، وشهد إقرار دستور تعددي، وتنظيم انتخابات وطنية ومحلية، وإطلاق مسار للعدالة الانتقالية، ومكافحة الفساد، وتعزيز اللامركزية.


لكن خلال عام واحد من استيلائه على السلطة، علّق عمل البرلمان المنتخب، وأقال معظم أعضاء الحكومة، واعتقل عشرات المعارضين، وحل المجلس الأعلى للقضاء، وعزل سبعة وخمسين قاضيًا، ثم أعاد صياغة الدستور.

 

وخلال السنوات التالية أصدر سلسلة من المراسيم، أبرزها المرسوم 54 الذي يجرّم نشر ما يُصنف "معلومات كاذبة" بعقوبات قد تصل إلى السجن عشر سنوات. كما وسّع حملة الاعتقالات لتشمل سياسيين ومحامين وصحفيين ومسؤولين سابقين، بينهم مدير ديوانه، وأشرف على انتخابات رئاسية وصفتها الكاتبة بأنها شكلية بعدما أُقصي أو سُجن أو نُفي معظم المنافسين المحتملين قبل الاقتراع.


عزلة خارجية وخسارة الحلفاء التقليديين


ترى الكاتبة أن سياسات سعيّد دفعت تونس إلى خسارة معظم حلفائها التقليديين، باستثناء الجزائر وإيطاليا إلى حد كبير. وقبل عام 2021 تمتعت تونس بدعم واسع من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما تفاوضت مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 1.9 مليار دولار.


لكن سعيّد رفض الاتفاق في أبريل 2023 بحجة أنه يمس السيادة الوطنية، رغم أن حكومته شاركت في التفاوض بشأنه. وأدى هذا القرار إلى تعطيل دعم دولي أوسع، بعدما ربطت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومؤسسات مالية أخرى تقديم المساعدات بإتمام الاتفاق مع صندوق النقد.


كما غيّر الاتحاد الأوروبي طبيعة علاقته مع تونس، فانتقل من دعم الانتقال الديمقراطي إلى التركيز على التعاون في ملف الهجرة غير النظامية. وحتى هذا التعاون شهد توترًا بعدما أعادت تونس ستين مليون يورو إلى الاتحاد الأوروبي ووصفت المساعدة بأنها مهينة.

 

وفي الوقت نفسه قلّصت الولايات المتحدة مساعداتها المدنية، وحصرت تعاونها مع تونس بصورة أكبر في المجال العسكري، وهو ما أعاد العلاقة بين البلدين إلى نمط يشبه ما كان قائمًا قبل الثورة. وأسهمت هذه التطورات في خفض التصنيفات الائتمانية لتونس، ما زاد صعوبة جذب المستثمرين.


المجتمع المدني يدفع الثمن والاحتجاجات تتجدد


تعتبر الكاتبة أن الخسارة الأكبر تمثلت في تراجع المجتمع المدني والحياة السياسية، بعدما واجه كثير من النشطاء والسياسيين السجن أو المنفى أو الرقابة الذاتية. واستهدفت السلطات معظم الشخصيات التي لعبت أدوارًا خلال المرحلة الديمقراطية، بينما يقبع عدد من أبرز السياسيين، ومنهم راشد الغنوشي وألفة حمدي وعبير موسي، في السجون وسط انتقادات متواصلة من منظمات حقوق الإنسان لطبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.


وتلفت الكاتبة إلى أن سعيّد يفتقر أيضًا إلى حزب سياسي قوي أو دائرة واسعة من المستشارين، ما يترك البلاد بلا خليفة واضح له مع اقتراب نهاية ولايته المفترضة عام 2029، كما يحد من قدرة المعارضة على تقديم بديل سياسي منظم.


وفي المقابل، بدأت مؤشرات التململ الشعبي تتصاعد. ففي ذكرى استيلاء سعيّد على السلطة خرج آلاف التونسيين إلى شوارع العاصمة مرددين أحد شعارات الثورة: "الشعب يريد إسقاط النظام".

 

وطالب المحتجون باستقالة الرئيس والإفراج عن المعتقلين السياسيين، معبرين عن غضبهم من تراجع الخدمات العامة خلال موجات الحر الشديدة، إلا أن حجم هذه الاحتجاجات ما زال بعيدًا عن الزخم الذي سبق اندلاع ثورات الربيع العربي.


وتختتم الكاتبة بالإشارة إلى أن المجتمع الدولي لا يمارس ضغوطًا حقيقية على سعيّد، لأن تونس ما تزال تحافظ على قدر من الاستقرار الهش؛ فالاقتصاد يقف على حافة أزمة من دون انهيار كامل، كما نجحت مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية في الحد بدرجة كبيرة من خطر الجماعات الإرهابية المحلية.

 

واكتفت الولايات المتحدة والدول الأوروبية بإدانات محدودة عقب أحداث 2021، بينما تراجع الاهتمام الدولي بتونس إلى حد كبير، وأصبح الهم الأوروبي منصبًا أساسًا على منع تدفق المهاجرين عبر البحر المتوسط. وفي ظل غياب ضغط خارجي مؤثر ومحدودية الاحتجاجات الداخلية، ترجح الكاتبة استمرار الوضع القائم، رغم أنه لا يحقق مكاسب تُذكر لأي طرف باستثناء الرئيس قيس سعيّد.

 

https://carnegieendowment.org/emissary/2026/08/tunisia-saied-power-grab-economic-political-failure